الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
127
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويجوز أن يكون المعنى : وأنت حينئذ من الكافرين بديننا ، استنادا منه إلى ما بدا من قرائن دلّته على استخفاف موسى بدينهم فيما مضى لأن دينهم يقتضي الإخلاص لفرعون وإهانة من يهينهم فرعون . ولعل هذا هو السبب في عزم فرعون على أن يقتصّ من موسى للقبطي لأن الاعتداء عليه كان مصحوبا باستخفاف بفرعون وقومه . ويفيد الكلام بحذافره تعجبا من انتصاب موسى منصب المرشد مع ما اقترفه من النقائص في نظر فرعون المنافية لدعوى كونه رسولا من الربّ . [ 20 - 22 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 20 إلى 22 ] قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ( 20 ) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 21 ) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 22 ) كانت رباطة جأش موسى وتوكّله على ربّه باعثة له على الاعتراف بالفعلة وذكر ما نشأ عنها من خير له ، ليدل على أنه حمد أثرها وإن كان قد اقترفها غير مقدّر ما جرّته إليه من خير ؛ فابتدأ بالإقرار بفعلته ليعلم فرعون أنه لم يجد لكلامه مدخل تأثير في نفس موسى . وأخر موسى الجواب عن قول فرعون أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ [ الشعراء : 18 ] لأنه علم أن القصد منه الإقصار من مواجهته بأن ربّا أعلى من فرعون أرسل موسى إليه . وابتدأ بالجواب عن الأهم من كلام فرعون وهو وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ [ الشعراء : 19 ] لأنه علم أنه أدخل في قصد الإفحام ، وليظهر لفرعون أنه لا يوجل من أن يطالبوه بذحل ذلك القتيل ثقة بأن اللّه ينجيه من عدوانهم . وكلمة إِذاً هنا حرف جواب وجزاء ، فنونه الساكنة ليست تنوينا بل حرفا أصليا للكلمة ، وقدم فَعَلْتُها على ( إذن ) مبادرة بالإقرار ليكون كناية عن عدم خشيته من هذا الإقرار . ومعنى المجازاة هنا ما بيّنه في « الكشاف » : أن قول فرعون فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ [ الشعراء : 19 ] يتضمن معنى جازيت نعمتنا بما فعلت ؛ فقال له موسى : نعم فعلتها مجازيا لك ، تسليما لقوله ، لأن نعمته كانت جديرة بأن تجازى بمثل ذلك الجزاء . وهذا أظهر ما قيل في تفسير هذه الآية . وقال القزويني في « حاشية الكشاف » قال بعض المحققين : إِذاً ظرف مقطوع عن الإضافة مؤثرا فيه الفتح على الكسر لخفته وكثرة الدوران ، ولعله يعني ببعض المحققين رضي الدّين الاسترآبادي في « شرح الكافية الحاجبية » فإنه قال في باب الظروف : والحق أن ( إذ ) إذا حذف المضاف إليه منه وأبدل منه التنوين في غير نحو يومئذ ، جاز فتحه أيضا ، ومنه قوله تعالى : فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أي فعلتها إذ